الشيخ محمد رشيد رضا

237

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ) الآيات . وقد فصلنا هذه المسألة مرارا ونلخص الموضوع هنا في المسائل الآتية : ( 1 ) ان اللّه تعالى قد أتقن كل شيء خلقه فجعله باحكام ونظام لا تفاوت فيه ولا اختلال ، وسنن مطردة ربط فيها الأسباب بالمسببات . فمخلوقاته العليا والسفلى ، هي مظهر أسمائه وصفاته العلى . ولهذا قال حجة الاسلام الغزالي : ليس في الامكان أبدع مما كان . وهذا النظام المطرد في الأكوان ، الثابت بالحس والعقل ونصوص القرآن - هو البرهان الأعظم على وحدانية خالق السماوات والأرض ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ) ( 2 ) إن سنن اللّه تعالى في إبداع خلقه ونظام الحركة والسكون والتحليل والتركيب فيه لا يحيط بها علما غيره عز وجل . وكلما ازداد البشر فيها نظرا وتفكرا واختبارا وتدبرا وتجربة وتصرفا ظهر لهم من أسرارها وعجائبها ما لم يكونوا يعلمون ولا يظنون ، ومن منافعها ما لم يكونوا يتخيلون ولا يتوهمون ، وها نحن أولاء نرى مراكبهم الهوائية من تجارية وحربية تحلق في الجواء ، حتى تكاد تتجاوز محيط الهواء ، ومراكبهم البحرية تغوص في لحج البحار ، ونراهم يتخاطبون من مختلف الأقطار ، كما نطق الوحي بتخاطب أهل الجنة مع أهل النار ، فيسمع أهل المشرق أصوات أهل المغرب ، وأهل الجنوب حديث أهل الشمال وخطبهم وأغانيهم ، قبل أن يسمعها بعض أهل البلد أو المكان الذي يصدر عنه الكلام « * » وقد يغمز أحدهم زرا كهربائيا في قارة أوربة فتتحرك بغمزته آلات عظيمة في قارة أخرى في طرفة عين ، وبينهما المهامه الفيح ، والجبال الشاهقة ، ومن دونهما البحار الواسعة ، والجاهلون بهذه السنن الإلهية ، والعلوم العملية ، لا يزالون يلجئون في طلب المنافع ودفع المضار من غير طريق الأسباب - التي ضيق الجهل عليهم سبلها - إلى قبور الموتى من الصالحين المعروفين والمجهولين ، ليقضوا لهم حاجهم ، ويشفوا

--> ( * ) روي لنا ان آلة الراديو الناقلة للأصوات من أوربة يصل الكلام الذي تحمله إلى مصر وغيرها فتعكسه الآلات التي فيها ويسمعه أهلها قبل أن يسمعه من في الصفوف الخلفية من المكان الذي ألقي فيه